"يوم قائظ" / قصة قصيرة بقلم زينب حسين الناهض
يوم قائظ
شعر بالجوع واخذت حواسه تتحفز بشدة
عندما تسللت الى انفه رائحة الشواء من مطعم مجاور، استسلم برهة للذة هذا الشعور
وشيئاً فشيئاً بدأ يضعف تركيزه على ماحوله ففصل الصيف القائظ بحرارته كان يبدو
كشاب في مقتبل العمر ..قوي البنية.. مفتول العضلات.. يغلف المكان بستارة ملتهبة
جاعلاً من ذرات التراب شظايا تلسع بحرارتها أجزاء من جلده ، وتخلق من كتل الهواء
جمرات صغيرة تتقافز امام وجهه الاسمر ويديه العاريتين ..كان يسعى لصد تلك الجمرات
بمظلة من الحديد المتاّكل التي امتصت أشعة الشمس وجمعتها بين أجزائها.
في عربته الصغيرة تكدست مجموعة من قناني الماء الموضوعة بين قوالب الثلج
الذي سرعان مااستسلم امام سلطان الصيف الجائر فتحول الى حوض من الماء تسبح فيه
القناني وسط العربة.. هاهو قرص الشمس قد استقرفي وسط السماء ومازال هو يقاوم ذلك
البطل الشرس المدعو بالصيف ويصارع شعوره بالجوع لحين اكمال اّخر ماتبقى من بضاعته.
غمره شعور بالفرح وهو يرفع اّخر قنينة من الحوض لتستقر في يد الزبون...دفع عربته وتوجه
عائداً الى بيته..لم يفكر في إسكات صوت
الجوع المتزايد والمنبعث من احشائه فما حصل عليه من مال بالكاد يكفي قوت يوم
لعائلة في إنتظاره ، واصل سيره وهو يردد في داخله " لايهمني الجوع طالما
رزقني الله قوت يومي". قطع أكثر من نصف المسافة ليصل الى الشارع الرئيسي
القريب من بيته، توقف ليعبر الى الجهة الاخرى ، سطعت اشارة المرور الحمراء معلنة
توقف السير ..دفع العربة بين السيارات المتأهبة للمرور وبينما كان يمر جنب احداها سمع
صوت إمرأة تنادي عليه بصوت حنون وهي جالسة في مقعد السيارة الأمامي..دنا منها فمدت
يدها وناولته كيساً ذو لون غامق تفوح منه رائحةً زكية..اخذ الكيس من يد
المرأة..وماهي الا ثواني حتى توهج الضوء الاخضر معلناً استئناف مرور السيارات، شق
طريقه مع عربته بسرعة عبر الشارع ووصل الرصيف ، فتح الكيس ..كانت رائحة الطعام المنبعثة
من الكيس تشبه الى حد كبير رائحة الشواء التي داعبت أنفه منذ ساعات.
زينب حسين الناهض
بغداد / العراق 2020
تعليقات
إرسال تعليق