"عودة" قصة قصيرة
عودة
انتهت الحرب، وبدأ السلام يدق
أبواب المدينة المنكوبة، ويطوف في شوارعها، يدخل بيوتها بخطوات ثقيلة مثل زائر
خجول، كانت الوجوه الشاحبة التي تملّكها الذعر لسنوات تتسابق الى عناقه بلهفة بعد أن
شبعت من رؤية الخوف ورائحة الموت.
لقد نهضت الحياة من تحت الرُكام قبل أن تلفظ أنفاسها الأخيرة وهي تتعكز على
أكتاف بعض الرجال، رجالٌ لم يجمعهم عِرق ولا دين، اجتمعت قلوبهم على هوية واحدة ثم
انصهرت وذابت في بوتقة كبيرة اسمها العراق.
كان يكتب لها كل ما يمر به في المعركة من أحداث، كيف أنقذ الشيوخ والنساء
والأطفال من براثن داعش، كيف حمل رفيقه على كتفه بعد أن أصيب في ساقه برصاصة قناص،
كيف عاش أياماً من دون طعام في قبوٍ مظلم، كيف أنقذه رفيقه قبل أن يجهز العدو عليه
بلحظات، وكيف كان يفتقدها ويشتاق لرؤيتها وسط كل ما كان يحدث.
كانت تنتظر قدومه بفارغ الصبر، تتطلع إلى اليوم الذي سيعود فيه إلى عائلته،
بين أولاده، إلى بيت كل زاوية فيه تفتقده، وكل ركن فيه يسألها عنه.
ذات مساء جلست قرب النافذة، تطلعت إلى السماء بعمق وكأنها تردد في داخلها
دعاءً خفياً، فتحت إحدى رسائله التي كتبها لها، أخذت تعيد قراءتها من جديد علّها
تشعر بومضة أمل تقطع خيوط اليأس التي بدأت تتسلل إلى قلبها فتجعلها تائهة في دروبٍ
من الحنين والشجن، استرسلت في قراءة كتاباته لتنسج من رسائله ثوباً رقيقاً من الأمل
يبعث في نفسها بعض الدفء، ويشتت القلق الذي انتابها، ثم كتبت تسأله: متى تعود؟
فتمسح عني غبار الوحدة وتلوّن أيامي بلقائك، فتسكن الطمأنينة قلبي، وتزهر في عمري
ألف وردة.
أخذ الليل يُرخي أجنحته السوداء كطائر كبير ينزل على الأرض بهدوء، ويفترش
المكان بلون العتمة معلناً نهاية اليوم.
أغلقت نافذة الغرفة، توجهت إلى سريرها، وضعت رأسها على الوسادة ثم أغمضت
عينيها ببطء، وكأنها تشعر أن هذا الليل يحمل لها خبراً، ومع هدوءٍ يفيض به المكان
سمعت صوت المفتاح وهو يتحرك داخل مقبض الباب، وما هي إلا دقائق معدودة حتى كان هو من
يفتح الباب، ويضيء المصباح.
زينب حسين الناهض
بغداد / العراق 2020
كم جميلة هذه القصة و التي تبعث على الأمل من بعد اليأس و الحياة من بعد الموت و الخراب و النور من بعد الظلام
ردحذفشكرا للتواصل والتعليق ..من خلالكم تقدم الافضل باذن الله
حذف