ذات الرداء الاسود قصة قصيرة بقلم زينب حسين الناهض





«ذات الرداء الأسود»
كانت تسير في الشارع المؤدي إلى مكان عملي، امرأة طويلة القامة، ممتلئة الجسد، تغرق في لباس اسود من رأسها حتى أخمص قدميها، وبشكل لا إرادي. أخذت خطواتي تتباطأ تدريجياً بانتظار أن تقترب مني، حَملتْ بكلتا يديها بضاعتها، وهي مجموعة من السبح والميداليات الرخيصة وأشياء اخرى لا أهمية لها، ثم اختارت بقعة من رصيف الشارع لتجلس عليها؛ وتعرض بضاعتها أمام المارّة. انجذبت نحوها من دون وعي، ومشيت إلى حيث تجلس، وكأنني ابحث عن شيءٍ ما، شيءٌ لا يخص بضاعتها؛ فهي لا تعنيني، لكنني كنت أبحث عن تلك المرأة المستترة من وراء نقاب. شكلها، عمرها أو بالأحرى هويتها. قمت بتقديم مبلغ صغير من المال لها من دون أن أخذ شيءٍ من بضاعتها، أخذته وهي تردد: "اللهم صلِ على محمد وآل محمد". طرقت تلك الجملة سمعي بصوت عذب يضجُّ أنوثةً، ويفيض شباباً، وكأن الصوت يحكي عن جمال وشباب امرأة غُيّب تحت أثواب العوز والفقر وقلة الحيلة. تدفقت الكلمات الى مسامعي مثل نوطة موسيقية ملتهبة المشاعر، تبعث السرور في نفس من يسمعها.
توالت الايام وأنا أراها بين حينٍ وآخر وقت الصباح، فتأخذ مني مبلغاُ بسيطاً من المال وهي تردد الصلوات على النبي وآله؛ فتُسرُّ نفسي وأشعر أن يومي قد امتلأ بهجة وتفاؤلا. لطالما توسلت بي في أخذ شيءٍ من بضاعتها مقابل ما تأخذه مني من مال بسيط، غير أني ما كنت لأفعل ذلك، وكانت كفايتي بسماع صلواتها على النبي وآله الأطهار، وهي جملة لا تقدر بثمن.
تغيرت الظروف عند ظهور ذلك الكائن الخفي الذي اقتحم حياتنا عنوةً؛ فشتت المجتمعين، وباعد المقربين، وانتهك حُرمات البيوت، وفتك بالأجساد كأنه حبل غليظ يلتف حول رقبة من يصيبهم؛ فيستمتع بخنقهم.
التزم الناس مساكنهم، وتركوا أعمالهم، وباتت الشوارع خالية إلا من بعض المارّة الذين يتحركون بحذر شديد، اختفت ذات الرداء الأسود، ولم يعد لها أثر يُذكر، ولا زلت حتى الآن أبحث عنها كلما توجهت إلى عملي ، أدقق النظر في وجوه المارة علّني أعثر عليها، أسأل عنها أرصفة الشوارع، أفتش عنها تحت أشعة الشمس المنبثقة من جوف الظلام حينما تفترش سماء بلادي باكراً، لكنني لم أجدها، ولا زال يرن في أذني صوتها الناعم وهي تردد: "اللهم صلِ على محمد وآل محمد"؛ فيُبعثُ السرور في قلبي، ويبتهج صباحي.

زينب حسين الناهض
بغداد / العراق 2020  



تعليقات

  1. رائعة بكل معنى الكلمة وروعتها تكمن في صدق المشاعر التي تجعل من القارئ تخنقه العبرة عند القراءة... فما كان نابعا من القلب فمكانه القلب... بورك قلمك

    ردحذف
    الردود
    1. شكرا دكتور لجمال مشاعركم..وجمال كلماتكم..محبتي

      حذف
  2. اللهم صل على محمد وآل محمد . احسنت حبيبتي

    ردحذف
  3. الردود
    1. شكرا استاذ للتواصل والاهتمام..ممتنه

      حذف
  4. هذه القصة قد جعلتني انتقل بخيالي الى ذات الشارع و ذات الرصيف فور قراءتها مع مزاحمة لمشاعر الحزن لعوز النساء و اضطرارهن لافتراش الأرصفة من أجل لقمة العيش و كذلك ما إذا كانت قد فتكت بها كورونا أو لا . إبداع جديد من قبلكم ست زينب و أتمنى أن أقرأ يوما ما قصة طويلة أو رواية لكم

    ردحذف
    الردود
    1. استاذ احمد..لم أكتب اي شيء من الخيال..القصة واقعية وحدثت معي بكل تفاصيلها..شكرا لجميل الاماني وحسن التواصل

      حذف
  5. شكرا لحسن التواصل والمتابعة ..دمتم

    ردحذف
  6. أزال المؤلف هذا التعليق.

    ردحذف
  7. كم في بلادي مثل هذه المرأة ذات الرداء الأسود.. أحسنت سيدتي ودام نبضك وقلمك الجميل بمشاعرك الرقيقة الشفافة .. نسأل الله ان تكون بخير ببركة الصلاة على خير المرسلين والرحمة للعالمين محمد الأمين صلوات ربي عليه وسلامه.

    ردحذف
    الردود
    1. شكرا سيدي على جميل تعليفكم ..ممتنة

      حذف
  8. بقلم ومشاعر رائعه كتبتي قصتك مع ذات الرداء الاسود ارجو ان لا يطول البحث حتى تلتقيها في قصه اخرى ان شاء الله.

    ردحذف
    الردود
    1. سعيدة بتعليقكم بتواصلكم.. كل شيء ممكن ..محبتي واشواقي

      حذف
  9. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
    أختي العزيزة الغالية تعجز الكلمات عن وصف ما شعرت به وما أحسست به
    هي الكلمات التي تخرج من القلب تدخل الى القلب
    أتمنى الإستمرار يا مبدعة
    أختك ماجدة

    ردحذف

إرسال تعليق

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

رسائل إعتذار..قصة قصيرة

مقابلة..قصة قصيرة