رحيل ..قصة قصيرة بقلم زينب حسين الناهض

 


 

(اهداء الى روح امي التي توسدت قلبي قبل ان تتوسد التراب)

رحيــل

هاتفتني في يوم شتائي جميل قائلةً: "العطلة الربيعية قد حانت.. اشتقت لك وللصغار، سوف آتي لأمكث عندكم بضع ليال"

صوت حنون لامس شغاف قلبي وامتزج مع خلايا جسدي.. أحسست بفرحة تسري في عروقي، تملؤني طاقة.. تلوّن خدّاي بلون الزهر.. تؤطر يومي بدعاء ينبت صلاة وتراتيل سماوية تطوقني ثم تحيطني بهالة من أمن وسلام.

أشرق وجه صغاري فرحاً فحضن الجدة احياناً يفوق حضن الام محبة ودلال، فوراً بدأت أفكر بما يمكن اعداده من طعام وشراب يجعلانها أكثر راحة.

جسد نحيل وقسمات هادئة، هكذا كانت أُمي.. لم تر من وجه الحياة ابتسامة ولم تلمس منها نعومة أو تحظى بعيشها المترف؛ فقد قضت وطراً طويلاً من حياتها تمنّي نفسها برؤية أولادها الذين غادروا الأوطان في عمر مبكر حينما أغوتهم الغربة فشربوا من كأسها المُترعة حتى ثملوا وأضلوا طريق العودة الى حضنها الدافيء الذي طالما حلم باحتضانهم وعناقهم.

في صباح اليوم المنتظر، صحوت باكراً كعادتي وبدأت بتحضير الفطور لعائلتي.. سمعت صوت رنين هاتفي.. توجست بداخلي خوفاً فالوقت لازال باكراً ليتصل بي أحد.. لوهلة شعرت أن الحياة توقفت بضع ثوان وأنا أُمعن النظر وأحاول أن اقرأ اسم المتصل الذي لم يظهر في شاشة الهاتف.. طافت في ذهني مخاوف ثم امتدت الى باقي أجزاء جسمي فارتجفت يداي.. حملت هاتفي وطلبت من زوجي أن يجيب.. فتح الهاتف وظل يستمع بضع دقائق دون أن يتكلم، أنهى المكالمة وهو يقول: "إن أمك مريضة جداً"، تفحصت ملامح وجهه فقرأت الحزن بين طياتها وأدركت أن امي لم تكن مريضة وكان هناك ما هو أكبر.

بكيت لأن أمي لم تفِ بوعدها وتأتي لزيارتي، وقارورتي التي كانت تعطر يومي بالصلاة والبركات قد سقطت وتهشمت في لحظة الى اجزاء شتى ولم يعد بإمكاني لملمتها.. وفي ليلة باردة.. أطفأ القمر فيها قنديله المضيء وتوارى خجلاً يخفي وجهه خلف كتف غيمة، صحبت أمي إلى مثواها الأخير، وقلبي يحترق وحيداً في زنزانة حزنه بصمت.. لم أُعاتب أمي أو اسألها لماذا أخلفت وعدها لأني كنت على يقين من أن الحياة الأبدية التي رحلت إليها ستكون أكثر ليونة ورأفة من حياتها الدنيا.

زينب حسين الناهض

بغداد / العراق 2020   

تعليقات

  1. يحكون عن نبي الله نوح عندما جاءه ملك الموت ليتوفاه بعد اكثر من الف سنه عاشها فسأله :يااطول الأنبياء عمرا كيف وجدت الدنيا فقال كدار لها بابان دخلت احدهما وخرجت من الاخر....رحم الله خالتنا ام علاء عندما دخلت من الباب احبها كل من عرفها وعندما خرجت خرجت وكل من عرفها يدعو لها بالرحمه ويسأل آلله أن يسكنها فسيح جناته .... أللهم نور مرقدها وعطر مشهدها وطيب مضجعها وأنس وحشتها ونفس كربتها بحق محمد وال محمد.

    ردحذف
  2. رحمها الله و رحم أمهات المسلمين و أطال في عمر من لا تزال على قيد الحياة .

    ردحذف
  3. خالتي الحبيبة
    الفراق هو من اصعب المشاعر التي يعيشها بل و يتعايش معها الانسان في هذه الحياة غير ان دائما هناك شعور جميل آخر يخالجنا حينما نشعر ان من تركونا او فارقونا سيكون لنا لقاء معهم في العالم الآخر ؛ و الى ذلك الوقت هم في ضيافة الباري جل و علا
    و انا متأكدة ان بي بي الآن في احسن حال قد ابدلها الله مكان من فقدتهم في حياتها اولاد و جنات و كل شيئ فلا تحزني و افرحي لانها قد تخلصت من هذه الحياة الزائلة
    خالتي اللبقة ذو الاسلوب الراقي كم اشعر بالفخر لانك خالتي و كم يشعر الانسان حينما يقرأ كتاباتك انه يعيش الحدث نفسه حتى انه لا يشعر بدموعه الا حينما تسقط على هاتفه الذي يقرأ من خلاله قصصك
    حبيبتي شكرا لك و رحم الله بي بي و اسكنها فسيح جناته و زاد من درجاتها عنده .

    ردحذف
    الردود
    1. شكرا خالة لجمال التعبير والكلام الذي يجعلني اقدم المزيد..اسال الله تعالى أن يسكن امي في روضة غناء من جناته..خالص محبتي واشتياقي.

      حذف
  4. عاشت الانامل الجميلة والرقيقه ربي يرحمها ويجعل مثواها الجنة

    ردحذف
    الردود
    1. شكرا لحسن التواصل والمتابعة..اعتز بارائكم.. اشواقي ومحبتي

      حذف
  5. قصة مؤلمه جدا وحزينه وكلنا نشعر بما تشعرين به لاننا عشنا نفس مرارة الم فقد الام احسنتي حبيبتي ست زينب قصه جميله جدا اجمل ماقرأت تحمل في طياتها مشاعر نقيه وصادقه وراقيه وهذا الحزن الذي تحمله القصه موجود في داخلنا جميعا ولكن لانستطيع البوح به الف رحمه ونور تنزل على روح الخاله العزيزه ذكرتيني بايام زمان الله على تلك السنوات الخوالي التي كانت من اجمل ايام العمر والتي لن تعود ابدا فبرحيلهم رحلت ايامنا الجميله وحياتنا البريئه الخاليه من الهموم والاوجاع وبم يتبقى لنا غير الالم والحسره

    ردحذف
    الردود
    1. رحم الله موتاكم واحسن اليكم..ممننة

      حذف
  6. حبيبتي ست زينب الغالية مااجمل كلماتك المليئة بالدفء

    ردحذف

إرسال تعليق

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

رسائل إعتذار..قصة قصيرة

مقابلة..قصة قصيرة