مقابلة..قصة قصيرة

     قصة قصيرة




مقابلة

 لم يغازل النُعاس أجفانه طوال الليل.. وها هي الشمس بدأت تخرج بدلال من قارورة الليل المظلم.. ثم تتسلل بحنان فتدق نافذة غرفته، وتنشر بريقها اللامع على جدران الغرفة وأرضيتها؛ معلنة نهاية السكون والعتمة، وبداية إشراقة صباحية نقية.

نهض من فراشه.. ارتدى ملابسه، ثم استعد لتناول طعام الفطور الذي أعدته له والدته.. كان وجهها مشرقاً بابتسامة حين قدمت له الطعام، كأنها تعرف ما يجول في خاطره من أماني في هذا اليوم.. وقبل أن تسأله بادر قائلاً:

  أماه.. أمطري عليّ بركاتٍ من فيض دعائك، وطوقيني بالرضا والرضوان.. وأذكريني في صلواتك؛ فاليوم سأقابل مدير الشركة.. وقد أحظى بعمل جديد ينسيني تعب السنوات التي لهثت فيها باحثاً عمّا يناسبني من عمل.

 خرج من المنزل.. سار حتى وصل الى بداية الشارع الرئيسي، ثم همَّ بإيقاف أول سيارة أجرة رأتها عيناه.. في تلك اللحظة تباطأت احدى السيارات في الشارع وهي تقترب منه.. ثم توقفت قبالته، لم يعطِ الأمر أية أهمية حتى سمع صوت امرأة تنادي عليه من داخل تلك السيارة بصوت مرتفع وهي تقول: من فضلك.. هل يمكنك مساعدتي؟ عندها لم يتمكن من الإفلات، وتوجه صوب السيارة التي ترجّلت منها امرأة في العقد الرابع من العمر.. تبدو عليها مظاهر النعمة وسمات الوقار.. تعطلت سيارتها بشكل مفاجئ ولا تعرف كيف تكمل طريقها، حاول أن يساعد المرأة بكل ما اختزنت ذاكرته من مهارات اكتسبها لدى مزاولته مهن مختلفة.. كان ينظر الى ساعته بقلق متزايد؛ خوفاً من أن يتأخر عن موعد المقابلة، لكنه لم يشأ أن يترك امرأة استنجدت به ليساعدها، أخيراً تمكن من إصلاح العطل.. نزل من السيارة بسرعة ثم سلّم المفاتيح واستقل أول سيارة أجرة صادفها دون أن تتمكن المرأة من توجيه كلمة شكر واحدة له.

وصل الى مبنى الشركة بعد أن تأخر نصف ساعة عن موعد المقابلة.. تطلّع الى البناية التي كانت تنم عن ذوق في الهندسة والتصميم.. رفرف سرب من الأحلام في فضاء خياله.. اتسعت عيناه وتكحّلت بالأمنيات التائهة، والتي تحاول أن تتشبث بالأمل.

دخل المبنى ثم ألقى التحية على موظف الاستقبال محاولاً أن يشرح له أسباب الـتأخير، اعتذر الموظف بخجل، فقد دخل الجميع الى غرفة المدير منذ مدة بانتظار حضوره لمقابلتهم.. في تلك اللحظة شعر أن أحلامه أخذت تهوي الى قاعٍ مظلم.. تصبّب جبينه عرقاً، ثم تدلّت خصلة من شعره المصفف بعناية لتلامس جبهته، وكأنها تحاكي خيبة الأمل.. جرّ ساقيه بخطى ثقيلة مغادراً المكان حتى كاد أن يصطدم بشخص ما دخل للتو.. رفع رأسه على استحياء معتذراً منه.. طافت ابتسامة على محيّاه ثم حطّت على شفتيه حينما تأكد له أنه رأى هذا الوجه منذ قليل.. كانت مديرة الشركة قد وصلت توّاً، وهي المرأة ذاتها التي أصلح لها سيارتها قبل قليل.

زينب حسين الناهض

بغداد / العراق 2021  

 

 

 

 

 

 

تعليقات

  1. خالتي الرقيقة القصة غاية في الذوق الرفيع و الكلمات مختارة و جميلة و رقيقة مثل شخصيتك ؛ حبيبتي خالة احسنتي بتوصيل معنى ان الخير دائما دائما لا يضيع و الله لا يضيع اجر المحسنين...بوركتي خالة

    ردحذف
  2. فاطمة الحبيبة..انرتي المدونة بحضورك
    محبتي خالة

    ردحذف
  3. كما عهدتك دوما ....وفقك الله لكل خير الكلمات والتعبير والسلاسة من اجمل ماقرأت

    ردحذف
    الردود
    1. مشتاقتلج ام حيدوري
      اختك رفاه

      حذف
    2. أزال المؤلف هذا التعليق.

      حذف
  4. قصة جميلة و تدعو للأمل و التفاؤل بعد الاتكال على الله سبحانه و تعالى ، فيها إشارة واضحة بأننا سوف نجني ما قدمته ايدينا.اسلوب لطيف ست زينب.بالتوفيق

    ردحذف
    الردود
    1. شكرا لتواصلكم استاذ..انرتم المدونة
      تحياتي

      حذف

إرسال تعليق

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

رسائل إعتذار..قصة قصيرة