سلام ..قصة قصيرة

 

 

 


قصة قصيرة...

ســــلام

مع تباشير الصباح وازدحام الشارع بالمارة، حمل صينية الكعك على رأسه وبدأ رحلته الصباحية المعتادة، داعياً كل من لم يسعفه الوقت لتناول فطوره أن يبدأ يومه بقطعة من الكعك المُحلى بالسمسم... يطوف في المكان ذاته حتى يبيع كل مالديه من كعك غير مبالٍ بأسياط الشمس اللاهبة وهي تنال من جسده النحيل، اشتريت منه قطعة وأعطيته ثمن قطعتين وانا اقول له: "الباقي لك"... تسمّر في مكانه بضع لحظات، ثم نظر اليّ بشموخ وقال: "لا ست... أنا اّخذ حقي فقط".

إنه سلام... شاب عشريني قدم من إحدى مدن الجنوب بعد أن ترهّل جسد المدينة بكثرة أبنائها العاطلين، ثقلت بما تحمل وأخذت تتكأ على العاصمة؛ لتنتشل ابنائها من بُرك الفقر التي سقطت فيها أكثر العوائل... ناولني سلام باقي النقود وقد أشرق وجهه بابتسامة جميلة تحاكي جمال الأهوار، ورائحة الطين، وكبرياء النخيل الذي يعانق أول حضارة توهجّت في دنيا البشرية المظلمة، وفتحت لها أبواب النور.

لم تقتصر رحلة سلام على الصباح فقط، فقد كانت له رحلة أخرى بعد الظهر في سوق الكرادة حينما صادفته مرة هناك أثناء تجوالي في السوق... كان يحمل إبريقاً كبيراً من الشاي ويطوف فيه بين أصحاب المحال... حدثني عن لوعة البُعد وألم الفراق، فهو يغيب عن عائلته لشهور قبل أن يرجع لهم بما يكفيهم، فيجد أن ملامح وجهه قد غابت عن مُخيلة صغاره، فلم يعودوا يتذكروا شكله... كان يأمل ان يحصل على وظيفة بمرتب شهري ثابت يعينه على ما يكابد من مشقة في العمل، وتضمن له البقاء وقتاً أطول قرب عائلته.

تستوقفني هذه الوجوه التي كلما تجلدها الحياة... تعانقها بحب، وكلما تقسو عليها الأيام... تحتضنها بحنان، كأن قلوبهم أنهار عذبة، تغترف منها الرضا، وتنتشي بحلاوة طعمه؛ فتغالب كل مكدّرات الحياة، وتسمو فوق أحزانها.

سنوات مرت ولا زلت أرى صينية الكعك تستقر على رأس سلام، تملأ المكان برائحة الجنوب، وطعم الوجع، واستغاثة الأهوار التي باتت تحتضر تحت سعير الشمس... ترى هل جفاف صيفنا هو السبب؟!

أم هو جفاف قلوب أسياد العراق وحكامه .


 

 

 زينب حسين الناهض

بغداد / العراق2022

تعليقات

  1. دامت إبداعاتك ودام قلمك السيّال ودام حسك المرهف

    ردحذف
    الردود
    1. شكرا دكتور لجميل كلماتك
      محبتي

      حذف
    2. عاشت الانامل مبدعة دائما

      حذف
  2. روعة قصة معبرة وواقعية عاشت الانامل مع امنيات أن نقرأ بقلمك واقع افضل لبلدنا وشعبه الأصيل

    ردحذف
  3. ست احسنتم النشر .. كم سلامٌ لدينا أتعبتهم هذه الحياة ، وأرهقتهم مرارا وتكرارا افكار وهيمنة حكام بلد يدعى العراق ..

    ردحذف
    الردود
    1. استاذ..الكلام من صميم الواقع تماما..
      شكرا للتواصل ..ممتنة

      حذف
  4. مبدعة كالعادة و ليس بجديد عليك .. سلمت أناملك الذهبية و دام نبض قلمك

    ردحذف
  5. سعيدة برأيك وتواصلك استاذ
    تقديري

    ردحذف
  6. دامت اناملكم الذهبية التي تلامس الأوجاع و الهموم , سلاما على سلام و سلاما على العراق

    ردحذف
  7. حيدر جمعة العامري27 أغسطس 2022 في 7:41 م

    رووووعة ست زينب وكأني أشاهد لوحة تراجيدية مرسومة من كلمات قصتك المعبرة

    ردحذف
    الردود
    1. شكرا للتواصل والمتابعة ..تحية من الاعماق

      حذف
  8. كل التوفيق لك ياصديقتي الغالية وسلمت الانامل والاحساس الرائع

    ردحذف
  9. رائع ولا اجمل منه !!

    ردحذف
  10. خالتي الرقيقة لو قلت لكِ ان هذه القصة القصيرة من اجمل ما قرأت لأنني شعرت أنني هناك ارى حامل الكعك و ارى صعوبة امرار معاشه و اعيش في وسط تلك الشوارع القديمة
    حبيبتي قصتك مليئة بالمعايير الأخلاقية شكرا على هذه الانامل

    ردحذف
  11. كنت اود لو كنت معك انظر مانتظرين واتباع ماتتابعين فاكون مشرقة مثلك تعبر عما يجول في خاطرها رغم انني شعرت بماساة الحياة الا انني بعين الوقت شعرت بالامل المغمور بين اسطر الحكاية القصيرة التي انت من كنت تصوريه على شكل حروف تدفيئين الاحزان بالامال وهذا اجمل مااحببته في قصتك انك مبدعة تنهين كتاباتك باستفهام الخواطر في ضمير الحياة وهذا هو فن التعبير حبيبتي اختك نجلاء

    ردحذف
  12. كم واحد مثل سلام في عراقنا؟ مع الاسف بلد الحضارات مليء بالفقر
    سلمت الانامل 🌷🌷

    ردحذف
  13. عاشت اناملج

    ردحذف
  14. اشكركم الله يحفظكم يارب وشكر اخيتي زينب حسين

    ردحذف
  15. شكرا لكم ..وفقك الله لكل خير

    ردحذف

إرسال تعليق

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

رسائل إعتذار..قصة قصيرة

مقابلة..قصة قصيرة