قصة قصيرة

سائق الدليفري

 

حينما بدأت العصافير تتراقص على شجرة قريبة من غرفتها مُحدثةً دويّاً ممتعاً تسلّل الى رأسها المُلقى بثقلٍ على الوسادة بعد ليلة طويلة أرّقها الوجع ولم يعرف النوم اليها سبيلاً الا عند ظهور الفجر... أخذ ضوء النهار يتدفق كشلال يعبيء أركان الغرفة ببريقه، فتحت عينيها بتثاقل ثم حملت جسدها على النهوض بصعوبة من السرير... البيت هادئ بالكامل، غادره الجميع الى اماكن الدراسة والعمل، نظرت الى الساعة المعلّقة في أعلى الجدار، كانت عقاربها تشير الى قرب انتصاف النهار... "آه سوف يصل زوجي وأولادي قريباً؛ لا بد أن أطلب غداءً جاهزاً هذه المرة"، هكذا قالت لنفسها... سحبت هاتفها الموجود بالقرب منها... دققت النظر فيه باحثةً عن رقم مطعم قريب من البيت... فتساقطت خصلات شعرها الناعمة على جبينها واحدى عينيها... حاولت إبعادها لتتضح أمامها الرؤية أكثر، سجّلت رقم مطعم قريب واتصلت به على الفور.

بعد خمس واربعين دقيقة اتصل بها سائق الدليفري الخاص بالمطعم ليتأكد من عنوان البيت، وصل حاملاً الطلب... كان شاباً عشرينيأ يقارب عمره عمر أولادها... ناولها أكياس الطعام الساخن الذي طلبته... لم تستطع منع نفسها من التحديق في شكله وملامحه التي بدت لها غريبة وأشعرتها بعدم الارتياح بدءأ من تسريحة شعره الكثيف المرتفع، نزولاً بالوشم المبعثر على إحدى يديه وبالخواتم الكبيرة اللامعة التي زيّنت أصابعه بشكل ملفت... حاولت أن لا تثير انتباهه الى نظراتها الفاحصة، وأن تنفض عن قلبها غبار الريبة وتوهمه بالاطمئنان... قرأت المبلغ في الفاتورة المعلّقة على الكيس، ودخلت لإحضار النقود تاركة الباب نصف مفتوح... فتحت الدولاب بقلق سرعان ماتحول الى ذعر حينما بدأ خيالها ينسج لها صور مجرم يستغل وحدتها وقد يدخل بيتها في هذه اللحظة ويسرقها... أخذت النقود وتركت الدولاب مشرعاً... هرولت بسرعة وكأنها تريد أن تنقذ نفسها من قبضة لص محترف يحاول ان يُجهز عليها... كان الشاب لا يزال ينتظرها قرب دراجته عند باب البيت... سلمته النقود... أقفلت الباب... دخلت ونبضاتها في تسارع... حمدت الله على السلامة، وقطعت على نفسها عهدا بأن لا تأمن بعد اليوم لأحد مهما كانت الظروف... وماهي الا دقائق معدودة حتى سمعت صوت رنين الهاتف... نظرت الى الشاشة، كان رقم سائق الدليفري نفسه، استغربت من سبب الاتصال مجدداً... ردّت بانزعاج... ماذا هناك؟

أجاب:

-                     سيدتي... لقد دفعت لي مبلغ خمسة آلاف دينار زيادة أكثر من ثمن الفاتورة، وأنا الآن أقف أمام باب بيتك لأردّ لك المبلغ... لم تستوعب ما سمعته... خرجت فوراً لترى أن الشاب يقف أمامها... سلّمها المبلغ باحترام... احتارت فيما تفعل... طلبت منه أن ينتظر بضع دقائق... دخلت مُسرعة... أخرجت بعضاً من الفطائر لتقدمها اليه وكأنها تريد تحلية مرارة الظنون التي استوطنت رأسها قبل قليل... أو تمزيق ما نسجه لها خيالها من هُراء... خرجت بالفطائر لكنها لم تجده... كان قد رحل بدراجته الصغيرة واختفى وسط زحام الشارع وضجيج الحياة.

زينب حسين الناهض

                                                                       بغداد / العراق2022  

تعليقات

  1. ابداع بنت خالتي الغاليه ام دعاء وفعلا قصه جميله جدا ومن ارض الواقع احسنتي

    ردحذف
  2. بصراحة عشنا في جو القصة ست زينب , سلمت أناملك

    ردحذف
  3. سعيدة برأيكم استاذ..تحياتي

    ردحذف
  4. احسنتي ست زينب دائما مبدعة ومتالقة ان شاءالله نجاح الدائم

    ردحذف
  5. عاشت ايدك ست زينب🌸

    ردحذف
  6. قصة قصيرة لها معاني واستنتاجات كثيرة غالبا ما نحكم على الناس من المظهر الخارجي وهذا ما لا يقيس التقييم بصورة صحيحة
    عاشت اناملك غالبا ما تكتبين قريب من الواقع تحياتي

    ردحذف
  7. قصة جميلة جدا

    ردحذف
  8. دام ألق قلمك الإبداعي

    ردحذف
  9. كالعادة مبدعة و لا يختلف على ما ينسجه فكرك الراقي و ما يخطه قلمك الوهاج اثنان
    دمتي و دامت كتاباتك الممتعة و الشيقة

    ردحذف
    الردود
    1. محظوظة انا بصديقة مثلك ..دمتي صديقتي إلى الأبد..محبتي

      حذف
  10. جميله جدا

    ردحذف
  11. سلمت أنامِلك فالمظاهر خداعة
    دام ابداعكم

    ردحذف
  12. دام تألق وابداعك

    ردحذف
  13. القصة جميلة وتعليق قصير أقول القصة تشير إلى تراكمات الماضي والذي رسم صورة متخيلة لشخصية السائق ومانتج عنها من أثر نفسي القصة تستحق قراءة تحليلية أكثر عمقا. بالتوفيق

    ردحذف
  14. عاشت الأنامل كلمات مبدعة ست زينب الغالية

    ردحذف
  15. قصة جميلة ست زينب تتطرق لسوء الظن المعذور للاخرين

    ردحذف
  16. جميلة جدا قصة وواقعية

    ردحذف
  17. قصة واقعية مشوقه ست زينب … وهذا يندرج ظمن سوء الظن المباح او الاحترازي لوجود كثير من الحوادث المشابهه … سلمت الأنامل

    ردحذف

إرسال تعليق

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

رسائل إعتذار..قصة قصيرة

مقابلة..قصة قصيرة