قرار..قصة قصيرة
قــــرار
زينب حسين الناهض
حينما تسللت خيوط الفجر ببطء الى نوافذ غرفتها، وأخذ اللون الفضي ينتشر في أحضان السماء، مدّت يدها لتسحب هاتفها الجوّال حين اخترق صوت المنبه هدوء المكان.. أدركت أن وقت الشروق بات قريباً جداً.. نهضت بسرعة لتصلي الفجر قبل أن يفوت أوانها..
يبدأ يومها باكراً، تعمل على تحضير وجبة الإفطار لزوجها وابنها، ثم تذهب لتوقظ ابنها، تأخذه الى الحمام، وتعمل على تبديل ثيابه وتهيؤه للذهاب الى المدرسة، لايزال زوجها نائماً.. تحاول أن لا تحدث أي ضجيج في أثناء نومه، جهزت له طعام الإفطار ثم أحضرت صندوقأً صغيراً وضعت فيه وجبة طعام يأخذها الصغير الى المدرسة ومثلها لزوجها.. أيقظت زوجها.. نهض كعادته بتثاقل وبوجه عبوس.. تناول ما أعدته له من طعام.. غيّر ملابسه وتهيأ للذهاب الى عمله.. يصل باص المدرسة ويقف أمام باب الدار.. تحمل حقيبة ابنها وتقوده الى الباص.. تعود مرة أخرى الى المطبخ وتحاول أن تلملم الأشياء المبعثرة وترتب ما تستطيع.. تكتفي بفنجان قهوة سريع، ثم ترتدي ثيابها لتذهب الى عملها.. تجلس قرب زوجها في السيارة ليصحبها الى العمل.. تتوق أن ترى ابتسامة في عينيه أو كلمة ثناءٍ من بين شفتيه.. يخذل أمنياتها كالعادة ويحاول أن يتصيد لها الأخطاء في كل حين.. تحافظ على هدوئها وتحيط نفسها بسور من الصمت.. تردد في سرها آيات قرآنية.. يقطع حاجز الصمت بنبرات مشحونة بالغضب وهو يقول:
"أكره العيش في هذه المدينة فشوارعها تختنق بالزحام، هواؤها ملوث.. وأناسها بدون أدنى ثقافة".. هي الجمل نفسها التي اعتادت على سماعها مراراً.. تنتفض جوارحها ويتعكر صفو نهارها، تسأل الله ان تصل الى عملها بسرعة.. يختم كلامه بإلقاء اللوم عليها حينما عارضت فكرة الهجرة من الوطن والعيش في أوربا.
تعود في الظهيرة من عملها.. يحاصرها بطلبات لا تنتهي ويستفزها بكثرة التأنيب.. ينتهي يومها وهي تسعى جاهدة لإرضائه، في الليل تُذاكر لولدها دروسه، ثم تأخذه الى السرير بينما يستعد زوجها ليمضي ماتبقى من الليل في السهر مع أصحابه.
تمر الأيام والأشهر.. يذبل وجهها. يشحب لونها. يتوهج حزنها. تنطفئ مع الأيام ابتسامتها، حين تذهب لزيارة أهلها في نهاية الاسبوع تلاحظ أمها ألواناً من الوجع المخبئ في عينيها، ولأكثر من مرة تطلب منها أمها أن تترك بيتها وتعود للعيش مع أهلها، لكنها تصر على أن يعيش ابنها في حضن والديه.. حتى يأتي يوم.. يرن هاتفها الجوّال حينما كانت منهمكة في عملها.. تتفاجأ بمعلمة ابنها التي تطلب حضورها.. فابنها يعاني من حمى شديدة ولا يقوى على متابعة الدرس. تتصل بزوجها فوراً، تستنجد به ليأخذ ابنه الى أقرب مستشفى، يتهمها بالقصور في رعاية ابنها، وينهال عليها بكلمات التوبيخ الجارحة، ثم يخبرها أنه مشغول ولا يمكنه ترك عمله والأحرى بها أن تذهب هي بدلاً من أن تتصل عليه.. تجد نفسها تنزلق في دوّامة من القلق الذي يتزايد مع مرور الوقت.. تتوجه بسرعة الى الشارع.. تستقل سيارة أجرة لتصل بأقصى سرعة الى ابنها ثم تأخذه الى أقرب مستشفى.
تبقى مع ابنها في المستشفى حتى المساء، لم يتصل خلالها زوجها سوى مرة واحدة.. تعود مساءً الى البيت لتجد زوجها يستعد للمغادرة والسهر مع الأصحاب، ترتمي على سريرها.. تعصف رياح التعب بجسدها النحيل فتسقط تحت سطوة النوم.. بعد ساعات تستفيق على نغمات منبه الهاتف.. تنهض من سريرها لتدرك صلاة الفجر قبل أن يفوت الأوان.. لكن هذه المرة قررت أن تدرك حياتها وتبحث عن نفسها قبل أن يفوت الأوان، أحضرت حقيبة كبيرة.. لملمت أمتعتها وأمتعة ابنها، ثم كتبت رسالة لزوجها قالت فيها:
"كنت دوماً تردد أنك تكره الوطن.. أما أنا فقد كرهت أن أعيش من دون وطن"
بعثت لزوجها الرسالة.. واتخذت قراراً بمغادرة المنزل.
زينب حسين الناهض
بغداد / العراق2023

عاشت اناملك كلمات واقعية لجدول امرأة عراقية ولكن النهاية تختلف من امرأة الى اخرى والصبر لدى الانسان يكون له حدود اغلبنا ينفذ صبره في اول موقف تحياتي لك دكتورتنا
ردحذفرائعة انت بكلماتك الاخاذه ❤❤
ردحذفعاشت ايدك 🌷
حذفعاش فكرك وقلمك احسنت قصه معبِره تحكي عن الكثير من النساء اللواتي يعانين من نفس التجاهل مِن قِبَل الزوج دون الشعور بالمسؤليه او ماتعانيه زوجته من تحمل مسؤلية البيت والاطفال ويتجاهل كل ذالك بكل برود.
ردحذفرائعه جدااااا وجميله ومعبره تسلم اناملك الرقيقه
ردحذفرائعه جداً❤️
ردحذفجدا جميله ورائعه
ردحذفوجع من الواقع نسج بحس خلاب ❤️
ردحذفعاشت الايادي ست زينب
ردحذفشكرا ..ممتنة
حذفاتخذت القرار المناسب قبل ان يفوت الاوان وتخسر حياتها التي لايقدر زوجها وأمثاله من الرجال ماتقدمه المرأة للاسرة ودورها الرئيس فيها … ليبقى وحيداً ويعرف معنى وجودها ان كان يحبها … شكراً لهذه القصة الجميلة فعلاً معبرة عن حياة الكثيرات من النساء
ردحذفشكرا للتواصل والتعليق الهادف..تقديري
حذفخالتي الحبيبة اللبقة
ردحذفلطالما احببت اسلوبك و قصصك و كل شيء فيك
أحزنتني القصة و شعرت بكل ما تشعر به تلك المرأة الحزينة و أحببت ان اقرأ اكثر فاسلوبك لا يمل و القصة تلامس الروح
و تمنيت لو ان القصة تنتهي بنهاية سعيدة
كم من الانانية يملكها هذا الرجل هكذا زوجة تستحق ان يقبل يديها وراسها صباحا ومساءا... لقد اتخذت القرار الصحيح فهو لايستحقها ابدا
ردحذفشكرا للتواصل..تقديري
حذفقصة رائعة ومعبرة عاشت ايدك
ردحذف🙏🙏
حذفشكرا ..ممتنة
ردحذفجزء من واقع عشناه ومستمرين به مع الاسف
ردحذفقصة رائعة تحكى واقع حقيقى نعيش بداخله ؛ وتحوى القصة قيما واخلاقيات منها بداية اليوم بصلاة الفجر ، والحرص على رعاية الأبناء والزوج الذى يعاملها معاملة جافة خالية من الحنان ، فكانت النتيجة الهجر ؛ تعد هذه القصة بمثابة إنذار حقيقى لمعلم الأسر العربية
ردحذفد. احمد عطية نوفل
شكرا دكتور..تشرفت المدونة برأيكم
حذفشكرا لكم استاذي ..سعيدة جدا بدخولك المدونة..تحياتي
ردحذفعااااشت الايادي . قصة واقعية رغم مؤلمة لكن تستمتع من تقراها
ردحذفشكرا لكم ..ممتنة جدا
حذف